إخوان الصفاء

162

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ذكر وقوف الأرض في وسط الهواء وسببه وأما سبب وقوف الأرض في وسط الهواء ففيه أربعة أقاويل ، منها ما قيل إن سبب وقوفها هو جذب القلب لها من جميع جهاتها بالسويّة ، فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوّة الجذب من جميع الجهات ، ومنها ما قيل إنه الدفع بمثل ذلك ، فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الدفع من جميع الجهات ، ومنها ما قيل إن سبب وقوفها في الوسط هو جذب المركز لجميع أجزائها من جميع الجهات إلى الوسط ، لأنه لما كان مركز الأرض مركز الفلك أيضا ، وهو مغناطيس الأثقال يعني مركز الأرض وأجزاء الأرض لما كانت كلّها ثقيلة انجذبت إلى المركز وسبق جزء واحد وحصل في المركز ، ووقف باقي الاجزاء حولها يعني حول النّقط ، يطلب كل جزء منها المركز ، فصارت الأرض بجميع أجزائها كرة واحدة بذلك السبب . ولما كانت أجزاء الماء أخفّ من أجزاء الأرض ، وقف الماء فوق الأرض . ولما كانت أجزاء الهواء أخفّ من أجزاء الماء ، صار الهواء فوق الماء . والنار لما كانت أجزاؤها أخفّ من أجزاء الهواء صارت في العلو مما يلي فلك القمر . والوجه الرابع ما قيل في سبب وقوف الأرض في وسط الهواء هو خصوصيّة الموضع اللائق بها ، وذلك ان الباري ، عزّ وجلّ ، جعل لكلّ جسم من الأجسام الكليّات يعني النار والهواء والماء والأرض موضعا مخصوصا هو أليق المواضع به ، وهكذا القمر وعطارد والزّهرة والشّمس والمرّيخ والمشتري وزحل ، جعل لكل واحد منها موضعا مخصوصا في فلكه هو ثابت فيه والفلك يديره معه . وهذا القول أشبه الأقاويل بالحق ، لأن هذه العلّة مستمرّة في ترتيب الأفلاك السبعة والكواكب الثابتة والسيّارة ، والأركان الأربعة أعني النار والهواء والماء والأرض ، وذلك أن اللّه ، تبارك وتعالى ، جعل لكل موجود . من الموجودات موضعا يختص به دون سائر المواضع أو